
لم يبق بيني وبين الحق اثنان
ولا دليـــل بآيات وبرهان
هذا وجودي وتصريحي ومعتـقدي
هذا توحد توحيدي وإيماني
هذا تجل بنور الحق نائره
قد أزهرت في تلاليها بسلطان
لايستدل على الباري بصنعته
وأنتــــم حدث ينبي عن أزمان
تعريف التصوف
طريقة في السلوك تعتمد على التحلي بالفضائل تزكية للنفس وسعياً إلى مرتبة الفناء في الله تعالى .
علم التصوف : مجموعة المبادئ التي يعتقدها المتصوفة والآداب التي يتأدبون بها في مجتمعاتهم وخلواتهم .
تعريف التصوف عند المشايخ والباحثين
يقول الشيخ أحمد الرفاعي الكبير ( رضي الله عنه ) : التصوف : هو الإعراض عن غير الله ، وعدم شغل الفكر بذات الله ، والتوكل على الله ، وإلقاء زمام الحال في باب التفويض ، وانتظار فتح باب الكرم ، والاعتماد على فضل الله ، والخوف من الله في كل الأوقات ، وحسن الظن به في جميع الحالات .
ويقول الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره : هو الصدق مع الحق ، وحسن الخلق مع الخلق .
وتقول السيدة فاطمة اليشرطية الحسنية : التصوف : هو التضحية في سبيل القيام بحقوق العبودية لله تعالى ، والاتصاف الأوصاف المحمدية ، والإقبال على الله تعالى بالعبادات والطاعات ، وبذل النفس والنفيس في سبيل الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر ، ابتغاء لمرضاة الله عز وجل ، وتفانياً في حبه وحب رسوله .
والتصوف عند ابن خلدون : هو رعاية حسن الأدب مع الله في الأعمال الباطنة والظاهرة بالوقوف عند حدوده ، مقدماً الاهتمام بأفعال القلوب ، مراقباً خفاياها ، حريصاً بذلك على النجاة .
ويقول الدكتور عبد الحليم محمود : التصوف هو الوسيلة والغاية ، أو الطريقة والحقيقة ، فصورته تكتمل في :
1. تصفية للنفس كوسيلة .
2. قرب ومشاهدة كغاية .
ويقول الدكتور يوسف زيدان في تعريف التصوف هو : غوص دائم وراء ما يحتجب وراء الأشكال التعبدية الظاهرة . وما دام ذلك الغوص متوالياً فلا تزال حقائق التعبد متواترة ، حتى تتكشف لبصيرة الصوفي أسرار الحقائق .
ويقول أيضاً : التصوف روح إسلامية تتخلَّل سريرة العبد ، فتحمل حركاته وسكناته على جناحي المحبة والإخلاص لله ، وتظل ترقى به من أوهام الحياة الدنيوية إلى حقائق العيش الأبدي بقرب الحق تعالى .. ولا يمكن فهم التصوف خارج إطار التجربة الدينية العميقة ، فهو يتولد وينمو في القلب ، وكأنه حرث التقوى بأرض العبادة .
والتصوف عند الباحث طه عبد الباقي سرور هو : جماع المثاليات ، وهو الذي يرسم الأفق الأعلى لمن يتسامى ، الأفق الأعلى المشرق بالروحانية الإسلامية ، الأفق الأعلى الذي تتجلى فيه العبودية الكاملة بأنوارها وإلهاماتها .
وعند الباحث محمد غازي عرابي : هو التخصص أو الانقطاع لله .
وعند الباحث أحمد أبو كف : هو طريق إلى الله ، وهو طريق ذو هدف نقي . إنه طريق عهد بين المريد وشيخه على أن يتوب عن المعاصي ، وأن يكون طاهر الروح والجسد معاً .
ويقول صاحب الفضيلة الشيخ سيدي محمد سعيد الجمل إمام وخطيب المسجد الأقصى بمدينة القدس : فالتصوف بحد ذاته من الصفاء ، أي من تصفية النفوس و القلوب والأرواح ، أن تكون كلها متوجهة إلى الله تعالى . والمتصوف عليه أن يكون مثالا كاملا يتجسد فيه كأنه قرآن يسير على الأرض وسنة تتمثل فيه . وكان هو أول من دعا إلى تهذيب النفوس وتهذيب الأخلاق وتهذيب الأرواح وتصفيتها . كيف يكون الإنسان سعيدا إذا لم تصفى نفسه وقلبه وتتعلق بمولاه .
وتعريف التصوف الإسلامي :
تقول الدكتورة نظلة الجبوري : هو حاصل جمع ما تركه الصوفية من تجارب ذاتية ، وخبرات شخصية ، ومعاناة وجدانية حية .
منشأ التصوف
وجد هذا العلم منذ أول آية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { اقرأ باسم ربك الذي خلق .. } { إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } لأنه أي التصوف هو الدين أو هو لبّ الدين . فالعهد المكي كان فترة تحلية وتزكية للوصول للمقام الراقي .. والكمال الإنساني وذلك بغرس الأخلاق المحمدية في نفوس الصحابة رضوان الله عليهــــم ، مثل التوبة والخشية والإنابة والصبر والتواضع والمحبة والذكر والفكر والكرم .. إلخ .
وظل الأمر يسير على هذا النحو إلى أن هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة .
واستمر الصحابة يتدرجون في مقامات الكمال ، بل كان الرجل ما إن يضع يده بيد الرسول صلى الله عليه وسلم مبايعاً حتى يترقى إلى أعلى المقامات وأسمى الحالات وذلك لقوة نور النبوة .
وظل الأمر كذلك إلى أن انتقل المصطفى إلى جوار ربه ثم جاء التابعون فتربّوا على يد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان همهم الوصول إلى رضوان الله عز وجل فتزكت نفوسهم بتأثير النور المحمدي الذي سكن قلوب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ، وفي عصر التابعين دخل أناس في الإسلام أي كانوا حديثي عهد بكفر ، ومن جانب آخر – كما أسلفنا – فتحت الدنيا على المسلمين فركن البعض إلى الشهوات وحب الدنيا وبدأ البعض يبتعد عن حال السلف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أناس أكفاء في ذلك الوقت وما بعدهم يدعون الناس إلى العودة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام أي حالة السلف الصالح وهؤلاء الدعاة هم الصوفية ....
دعوا الناس إلى العودة إلى مرتبة الإحسان التي كان يعيشها السلف الصالح .. وتخليص النفس من رعوناتها التي كبلتها وقيدتها عن مشاهدة أنوار الحق ، وتخليص القلب من حب الدنيا وإحياؤه بذكر الله عز وجل ، فقام هؤلاء الأكابر من الرجال بفتح بيوتهم لاستقبال الناس يدعونهم إلى هذا الطريق الراقي طريق الإحسان ، أو التصوف .. وفتحوا المعاهد التربوية أو ما يسمى بـ ( الزاوية أو التكية ) لملاحظة الناس وتربيتهم عن قرب فكانوا في كل عصر إلى يومنا هذا الذي نعيش فيه هم نماذج السلف الصالح الذين حافظوا على الحالة السلفية الحقيقية ، وليست التي يدعيها البعض زيفاً وبهتاناً .
واستطاعوا في الماضي بصدق توجههم ونقاء سريرتهم أن ينبهوا القلوب الغافلة فيحيونها بأنوار الذكر ، وفتحوا البلاد فدخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً وما خالفهم إلا طلاب الدنيا أو الجهلة الذين حكموا على التصوف من خلال أشخاص دخلاء ، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث وسؤال أهل الاختصاص امتثالاً لأمر الله ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) .
وهؤلاء المعترضون لو حكم عليهم شخص من غير مذهبهم عليهم من خلال نفس نظرتهم القاصرة لأقاموا الدنيا وأقعدوها نقداً وتجريحاً . ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وبالمقابل هناك من عرف قدرهم ومكانتهم وهم الغالبية من السلف والخلف ، لأنهم الطائفة الباقية على الحق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . وكل العلوم التي ذكرناها بأقسامها الثلاث لا تقبل ما لم تكن مسندة ..
فالحديث ما لم تعرف درجته وسنده إلى سلسلة رواة ثقاة فهو مردود وكذلك الفقه .. والتصوف باعتباره من أشرف العلوم فهو من أكثرها حفاظاً على السند .
ولذلك فهو منقول عبر سلسلة من الرواة والمشايخ متصلة ومسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكل من يؤذن له بسلوك هذا الطريق فهو قد ارتبط بهذه السلسلة المباركة الموصولة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . وكل شيخ لا بد أن يكون مجازاً من شيخ قبله وهكذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولكن باعتبار أن هذا العلم ليس حروفاً تكتب إنما هو أحوال ومقامات وأذواق فلا بد أن يعيشها الإنسان كي يدركها .. لهذا أنكر البعض على هذا العلم وعلى من ينتسبون إليه ... وإنكارهم سببه عدم وجدانهم وتذوقهم له . فمثلاً الخشية ليست فقهاً يكتب فـــي السطور أو في مؤلفات الفقهاء إنما هي حال أو مقام يعيشه من تعتريه الخشية .. وهذا الحال له أصوله من الكتاب والسنّة ... ولكن هل يمكن الوصول إلى هذا المقام ؟ ..
جاء علم التصوف ليرسم منهجاً عن طريق مجموعة من القواعد والآداب للوصول إلى هذه الأحوال والمقامات .
حقيقة التصوف
إن حقيقة التصوف أنه روح الشريعة الإسلامية ومعناها وقلبها وهو أي التصوف من ناحية رسم المنهج والسلوك فيه علم كسائر العلوم له مقدمات ونتائج ،وهو باعتبار معايشته والتفاعل معه ذوق ووجدان ، وهو من ناحية إعطاء كل من ينتمي إليه الدواء المناسب له من قبل الشيخ العارف بأدواء القلوب ، فن وحكمة فهو علم وذوق وفن . وهذه الثلاث هي مقومات الحياة الأبدية السعيدة وهو مقام الإحسان الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم { أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك } .
وهو التخلق بالصفات الحميدة التي جاءت في الكتاب والسنة ، وأمر بها الشرع الشريف والتخلي عن كل الصفات الذميمة التي نهى عنها الشرع الحنيف .
ومن جملة الصفات الحميدة : التوبة .. الخشية ، المحبة ، الخشوع ، التواضع ، الحضور ، الشكر ، الفكر ... إلخ .
ومــــن الصفات الذميمة التي يتخلص منها السالك من خلال التصوف : الكبر ، العجب ، الرياء ، الحسد ، الحقد ، .. إلخ
ولتقريب هذا العلم وحقيقته من الأذهان نقول : إن الله أمر بالصلاة فقال : { وأقيموا الصلاة } .
فإذا أردنا الصلاة نذهب إلى الفقهاء فنتعلم منهم أن للصلاة شروطاً وأركاناً وواجبات ، كالطهارة من الحدثين واستقبال القبلة ... إلخ . هذا العلم يسمى ( الفقه ) .
ولكن الله عز وجل يقول أيضاً " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون " فالخشوع أيضاً مطلوب في الصلاة كما إقامة الصلاة ، ولكننا لو فتشنا وبحثنا في كتب الفقه فلن نجد لكيفية الخشوع أو لتحصيله جواباً .
غير أن هناك علماً خاصاً مستقلاً كالفقه تماماً يعني بفقه القلوب فيبين السبيل الموصلة إلى الخشوع وهذا هو الفقه المسمى ( التصوف ) والتصوف لا يخرج مطلقاً عن حدود الشرع الشريف فتلبسه بالشرع الحنيف كتلبس الروح بالجسد .
ومع ابتعاد الناس عن الحالة الأولى للسلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين ظهر هذا العلم منضبطاً بقواعد واصطلاحات ومناهج شأنه شأن باقي العلوم ، كما أن الفقه والحديث لم تكن لها ضوابط وقواعد مكتوبة ومدونة ومرتبة بالشكل الذي نعرفه اليوم ، كعلم أصول الفقه ، مصطلح الحديث .
وفي تلك المرحلة الحاسمة قام علماء وأجلاء يدفعهم حب الله والإخلاص لدين الله جل جلاله قاموا فوضعوا قواعد الفقه والحديث وغيرها من العلوم الدينية ، كذلك التصوف في الصدر الأول كان معروفاً معاشاً ولما غاب ذوقه عن البعض فقام العلماء فوضعوا وضبطوا أصوله وطريقته .. ولكي لا يتلاعب به كل من هب ودب من المنتحلين والمدعين والمغرضين كان هذا العلم لا يؤخذ إلا عمّن كان مجازاً بهذا العلم الموصول بإجازات إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . يقول الإمام القشيري رحمه الله متحدثاً عن نشأة التصوف وحقيقته :
( أعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية سوى صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام إذ لا أفضلية فوقها ، فقيل لهم الصحابة ، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب ، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين – الزهاد – والعباد ، ثم ظهرت البدعة وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق ادعوا أن فيهم زهاداً ، فانفرد خواص أهل السنّة المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى ، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف ، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المأتين من الهجرة ) .
حكم التصوف
بما أن التصوف يُعنى بفقه القلوب ، والقلب وقعت عليه جملة من الأوامر والنواهي الشرعية التي تجعله إن هو امتثل أمر الله قلباً منوراً وأهلاً لأن يكون محل نظر الله كما جاء ذلك في الحديث .
والأوامر مثل : الإخلاص ، المحبة ، الصدق ، الخشوع ، .. إلخ .
والنواهي مثل : الرياء ، العجب ، الحسد ، ... إلخ .
إذا أدركنا معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم { ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب } رواه البخاري في كتاب الإيمان
وإذا علمنا أن الجوارح تتحرك وفق ما يمليه عليها القلب إذ هو المحرك لها وهي تابعة له ، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم الصحابة رضي الله عنهم أهمية تنقية القلب وتزكية النفس حين قال { إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم } أخرجه مسلم في صحيحه .
من أجل ذلك فإن الكنز الذي ينفع الإنسان يوم القيامة هو القلب المملوء بمحبة الله المعافى من الأمراض . قال تعالى { يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم } .
_________________________________
المصادر :
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه اهل التصوف والعرفان - ج 13
موقع التصوف الإسلامي |