المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مدارج السالكين-مقدمة-الدكتور محمد راتب النابلسي


ابن الطيب
07-21-2008, 05:19 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الدكتور محمد راتب النابلسي

[Only Registered Users Can See Links]

*مدارج السالكين


مقدمة


أيها الأخوة المؤمنون .... انطلاقاً من قول النبي عليه الصلاة والسلام : " من عرف نفسه، عرف ربه "
فالإنسان من دون جميع المخلوقات يتمتع بما وهبه الله عزّ وجل بقوة إدراكية ، فإذا غفل عن سر وجوده وعن حقيقة وجوده وعن مهمته في الدنيا فقد ضلَّ سواء السبيل ، الله سبحانه وتعالى يقول :
{{ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا}}
(سورة الكهف)
يجب أن نقف قليلاً عند كلمة الأخسرين ، إنها جمع الأخسر والأخسر اسم تفضيل .. الأشد خسارة ، الإنسان في الدنيا قد يخسر ماله ويعوضه ، قد يخسر مركزه ويعوّضه ، ولكن الإنسان في الآخرة حينما يكتشف أنه ضلَّ سواء السبيل ، وحينما يكتشف أن أمامه شقاءً أبدياً، لا يُقال له خاسر . يقال له أخسر، خسر نفسه وخسر الآخرة الأبدية وضيَعها من أجل لعاعة من الدنيا كما وصف النبي عليه الصلاة والسلام الدنيا .
إذا : "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضلَّ سيعهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً " .
فالناس مختلفون : ( من منهم من يدري ويدري أنه يدري فهذا عالمٌ فاتبعوه ، ومنهم من يدري ولايدري أنه يدري فهذا غافلٌ فنبّهوه، ومنهم من لايدري ويدري أنه لايدري فهذا جاهلٌ فعلّموه ، ومنهم من لايدري ولايدري أنه لايدري فهذا شيطان فاحذروه ).
إذاً الإنسان دون جميع المخلوقات زوده الله بقوة إدراكية .. إذا قلت لكم إن أعظم شيء خلقه الله في الأرض أو في الكون هو العقل البشري لا أكون مبالغاً ، الإنسان به يرقى ، وبه ينحط . الإنسان هل هو إلا عقل يدرك وقلب يحب ، والعلاقة بين العقل والقلب كما ورد في الحديث الشريف : " أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً "
كلما رجَحَ عقلك ازداد حبك ، وانطلاقاً من أنه من عرف نفسه فقد عرف ربه يجب أن نعرف أنفسنا من نحن ..؟ ماهويتنا ..؟ لئلا تستهلكنا الحياة ، الحياة تستهلك الناس من عملٍ إلى نومٍ إلى راحةٍ إلى متعةٍ إلى ندوةٍ إلى سهرةٍ إلى نزهةٍ إلى لقاء إلى خصومةٍ إلى مجادلةٍ ويأتي الأجل وقد ضيّع الإنسان كل شي . فمن أجل أن لاتستهلكنا الدنيا ومن أجل أن لانكون ضحية الجهل الله سبحانه وتعالى يقول :
{{ الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير و أن الله قد أحاط بكل شيء علما}}
( سورة الطلاق)
كأن علّة وجودنا في هذه الأرض أن نعلم ، ويبدو أن العلم إذا كان كما أراد الله عزّ وجل ينقلب إلى عمل ، وإذا صحّ العمل سَعِدَ الإنسان في الدنيا والآخرة . لذلك .. قال الله عزّ وجل :
{{ وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون}}
(سورة الذاريات)
العبادة في الأصل غاية الخضوع إلى الله عزّ وجل ، غاية الاستسلام ، غاية المحبة ، غاية التوجه . والإنسان يتوجه إلى الله ، ويعبده ويحبه ويستسلم له ، .. إذا عرفه ... وإذا توجه إليه .. يسعد لقربه ولذلك خلقه .
و يقول الله عزّ وجل " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "أنت أيها الإنسان مهمتك الأولى أن تعبد الله عزّ وجل .
و الإنسان ..؟ هو المخلوق الأول .. لأنه قَبِلَ حمل الأمانة سَخّرَ الله له مافي السماوات والأرض . حَملُ الأمانة مأخوذ من قوله تعالى :
{{ إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}}
( سورة الأحزاب)
هذه الأمانة عُرضت على جميع المخلوقات في عالم الأزل، أشفقن منها وحملها الإنسان ……. لأنه حملها استحق أن يسخّرَ له مافي السماوات ومافي الأرض وتعلمون أن المسخّرَ له أقربُ دائماً من المُسخّر . المسخّرُ له وهو الإنسان أكرمُ على الله من المسخّر ، لذلك الله عزّ وجل يقول :
{{ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر و رزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}}
( سورة الإسراء )
أنت المخلوق الأول في هذا الكون ، المخلوق المكرّم ، أنت مكلّفٌ بالأمانة ، مكلّفُ بهذه النفس التي بين جنبيك ... أنت كائن لك جسد ولك نفس ولك روح . في أرجح الأقوال .. ذاتك .. ذاتك التي وصفها الله عزّوجل بأنها ذات الصدور والله عليم بذات الصدور .
{{ ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية}}( سورة الفجر)
ذاتك التي هي موضع الأمر والنهي ، وهي التي تؤمن وتكفر ، وهي التي تسعد وتشقى ، وهي التي ترضى وتغضب ، وهي ذات الإنسان التي خلقها الله عزّ وجل لتبقى في أبد الآبدين .. إنها نفسك ...
لك جسد والله سبحانه وتعالى بطريقةٍ أو بأخرى ربط الجسد بالنفس ، هذا الجسد وعاءٌ لها ، حاملٌ لها ثوبٌ لها ، رداءٌ لها ، وهذا الجسد شيءٌ مؤقت ينتهي عند الموت . فالذي يبالغ في إمتاع جسده والعناية به ويهمل نفسه وهذا حال أهل الأرض تعيس تعيس - ماذا قال بعض زعمائهم ؟ ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا . سيطروا على الطبيعة على حدِ زعمهم ولكن ماسيطروا على هذه النفس نفسهم لم تسعد ، تمتعت أعضاؤهم ، تمتعت حواسهم ، ولكن نفوسهم لاتسعد لأن فِطرة الله عزّ وجل التي فطر الإنسان عليها لاتسعد إلا بقربه .. الدليل :
{{ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لايعلمون}}
( سورة الروم)
أن تقيم وجهك للدين حنيفاً وأن تُقبل على ربك وأن تلتزم أمره ونهيه هو الوضع الطبيعي للنفس البشرية ، " فأقم وجهك للدين حنيفاً " .
المفارقة أن أهل الغرب اعتنوا بأجسادهم ولكن هذه النفس الغالية التي كرّمها الله عزّ وجل وضعوها في الوحول وضعوها في الشهوات الخسيسة .
أنت لك نفس .. هذه النفس تذوق الموت ولاتموت ، هي خالدةٌ إما في جنةٍ يدوم نعيمها أو في نارٍ لاينفذ عذابها . هذه النفس تسعد بقربها من الله وتشقى ببعدها عنه قال الله عزّ وجل:
{{ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى}}
( سورة طه)
لن تجد إنساناً واحداً على وجه الأرض سعيداً وهو بعيدعن الله عزّ وجل فهذه الحالة مستحيلة . بعض المفسرين تساءلوا حول هذه الآية : مابال الملوك ، مابال الأغنياء ، ليس عندهم ولامشكلة .. الأمور كلها موفورة لديهم . فأجاب بعضهم بأنه ضيق القلب .. ضيق القلب هو الذي عناه الله عزّ وجل من قوله تعالى " ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً " .
وجه اهتمامك إلى هذه النفس التي بين جنبيــك ، وانتبه لها ، يقول سيدنا عمر : / تعاهد قلبك / فالإنسان إذا أصاب عينــه عارضٌ ، يقلق قلقاً شديداً ويذهب إلى أمهر الأطباء ويبذل مئات الليرات ليطمئن .. هذا الحـــرص على سلامة العين ، وعلى أن تتمتع بها طوال حياتك..هو كحرص الدعاة إلى الله بل هم أشد حرصاً على أنفسهم وعلى طهارتها وعلى سلامتها وعلى اصطباغها بالكمال من حرصهم على أعينهم إذا أصابها عارض .
لذلك .. الإنسان : نفس وجسد وروح . الروح في رأي بعضهم قوة الله أودعها الله في الإنسان فالعين ترى بالروح ، .. هذا الكبد الذي له خمسة ألاف وظيفة دون روح لا قيمة له ، أما بالروح له وظائف يعجز عن إدراكها العلماء فضلاً عن معرفة كنهها . هذا الكظر ، هذا البنكرياس ، هذه الأمعاء ، هذه العين العين بإمكانها أن ترى الفرق بين لونين بينهما واحد من 800 ألف درجة لو أننا درّجنا اللون الأخضر ثمانمائة ألف درجة .. العين البشرية تفرّق بين درجتين .
العين ترى بالروح ، والأذن تسمع بما أودع الله في هذه الأذن فيما يبدو قوة السمع فإذا ذهبت الروح أصبح الإنسان جثة هامدة . فالروح قوة الله عزّ وجل يستردها عند الموت ، والجسد يبلى ، النفس هي التي تبقى ، هنيئاً لمن اعتنى بنفسه .. نظر إلى أمراضها .. نظر إلى عللها .. نظر إلى ما يسعدها .. نظر إلى ما يشقيها ..
الإنسان نفسٌ هي ذات الإنسان هي المعنية بالخطاب هي التي تؤمن ، هي التي تكفر ، هي التي ترضى ، هي التي تسخط ، هي التي تسعد ، هي التي تشقى ، وله وعاءٌ هو الجسد وفيه قوة محركة هي الروح ، والإنسان حينما قَبِلَ الأمانة استحق أن تسخر له السماوات والأرض والله سبحانه وتعالى منّ عليه بهذا العقل . العقل قوة إدراكية يميز بها الإنسان عما سواه من المخلوقات ، أعطاه فِطرة .. هذا الفطرة ربنا عزّ وجل قال :
{{ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}}
( سورة الشمس )
هناك تفسير لهذه الآية يتصل بفطرة الإنسان .. يعني .. الإنسان إذا فعل شيئاً مخالفاً لفطرته يتألم ، إذا خرج عن قواعد فطرته يشعر بالضيق ، حتى أن الأجانب حينما يصفون الأمراض النفسية من جملة هذه الأمراض الشعور بالكآبة .. هذا مرض يعقب الانحراف لو أن هذا الإنسان ماوصله الحق ولابلغه الحق .. إن فطرته وحدها كفيلة كي تنبهه إذا انحرف . هذه هي الفطرة ..
لذلك : " ألهمها فجورها " هذه النفس لأنها فُطرت فِطرةً عالية جداً إذا هي انحرفت تشعر بانحرافها وتضيق بهذا الانحراف هذا معنى ألهمها فجورها وألهما تقواها وإذا اتقت الله عزّ وجل وكانت عند الأمر والنهي وكانت مطيعةً له ترتاح هذه النفس وتسعد هذا معنى " ألهمها فجورها وتقواها " .
أعطانا الكون وأعطانا العقل ميزاناً ولكن أتمنى على إخوتنا الأكارم أن يعلموا أن هذا الميزان يشبه إلى حدٍ كبير العين . مهما دقت العين تحتاج إلى ضوء لترى به ، والعقل مهما نما ومهما رجح يحتاج إلى نورٍ إلهي يهتدي به ، العقل وحده يضل والعقل دون نورٍ رباني يزل .
العقل قوة إدراكية وهو ميزان والشرع ميزانٌ على الميزان ، أعطانا كوناً وأعطانا عقلاً وأعطانا فِطرةً والفِطرة ميزان نفسي والعقل ميزان علمي وأعطانا بعد كل هذا حرية الإختيار كي تُثمّنَ أعمالنا وأعطانا شهواتٍ نرقى بها إلى الله صابرين وشاكرين وأعطانا فيما يبدو لنا قوةً نحقق بها إرادتنا هذا فيما يبدو أما في الحقيقة الفِعلُ فِعلُ الله عزّ وجل . هذه المقومات .. مقومات التكليف يجب أن تكون ماثلةً بين أيدينا .
أولاً أنت كائن لك نفسٌ وروحٌ وجسد ، ثانياً أنت مكلّف .. مكلّفٌ ومكرّمٌ ، ومخلوق أول ، مكلّفٌ بنفسك والدليل قوله تعالى :
{{قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}}
( سورة الشمس)
الله سبحانه وتعالى بعد أن خلقنا هدانا في القرآن الكريم آية تقول:
{{ قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى}}
( سورة طه)
" فمن اتبعَ هدايَ فلا يضل ولا يشقى ".والهدى على أربعة مراحل : أولاً : الله سبحانه وتعالى أعطاك الحواس الخمس هذه هداية تشترك فيها مع كل المخلوقات .
{{ قال فمن ربكما ياموسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}}
( سورة طه )
هداه بالعينين بالسمع بالإدراك بالحركة بالشمِ .. بحواسه الخمس . هداه بعقله . ولكن الهدى الثاني هو هدى الوحي أنت كمخلوق رحمة الله بك واسعة ، و حرصه عليك شديد ،
{{ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لاترجعون}}
( سورة المؤمنون)
{{ أيحسب الناس أن يترك سدى}}( سورة القيامة)
بلا أمر وبلا نهي . حينما أنزل الله الكتب على أنبيائه ، هذا هو الهدى هدىالوحي :
{{ نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى}}(سورة الكهف )
هدى التوفيق . إذا آمنت بالله عزّ وجل ينقلك من حالٍ إلى حال ومن مقامٍ إلى مقام ، يلهمك فِعلَ الخيرات وترك المنكرات يمكنّك من الدعوة إلىالله ، يعطيك مالاً تنفقه في سبيل الله ، هذه المقومات مقومات الأعمال الصالحة عند بعض العلماء هدى التوفيق ، الهدى العام، هدى الوحي ، والهدى الأخير هو الهدى إلى الجنة . سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرّفها لهم .
مخلوق أنت كي تعبد الله عزّ وجل ، الإنسان قد يأخذ وقد يعطي ، المخلوق لايستطيع أن يأخذ إلا بقدر استيعابه لكن الإنسان حينما جاء إلى الدنيا جاء ليعمل الصالحات وبهذه الصالحات وهذه المؤثرات وهذه التضحيات يشعر أن الله يحبه ، بهذا الشعور الدقيق يقبل عليه، بإقباله عليه يأخذ أكثر مما يعطى غيره ... هذا هو سِرُ حمل الأمانة .. يعني أنت جئت إلى الدنيا لتؤاثر الله على كل شيء .
{{ و أما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}}( سورة النازعات )
أنت لك طبعٌ وعندك تكليف ، وغالباً الطبع يتناقض مع التكليف ... أنت مكلفٌ أن تغض بصرك وطبعك يدعوك إلى النظر ، أنت مكلفٌ أن تصلي الفجر في وقته وطبعك يدعوك إلى النوم ، أنت مكلفٌ أن تصمت عند الغيبة والنميمة وطبعك يدعوك إلى ذكر هذه القصص الغريبة ، أنت مكلفٌ أن تنفق المال وطبعك يدعوك إلى كسب المال ، " فأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى " .
إذاً من هذا التعارض بين الطبع وبين التكليف يرقى الإنسان ، لكن في الشهوات يرقى مرتين يرقى صابراً ويرقى شاكراً ، إذا غض بصره عن محارم الله ، إذا امتنع عن أكل المال الحرام يرقى صابراً أما إذا أنفق أو إذا مارسَ هذه الشهوة وفق القناة التي سمح الله بها يرقى شاكراً . فأنت ترقى مرتين بالشهوة ترقى صابراً وترقى شاكراً . عليك أن تعبد الله عزّ وجل وهذا سر وجودك ، " وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " ، مقامك أن تعبده ولن تعبده إلا إذا عرفته ولكن كيف تعرفه..؟.

يتبع

*موقع الدكتور محمد راتب النابلسي


الدرس : 001 / 100 ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

تاريخ الدرس : 26 / 11 / 1990.

موضوع الدرس : مدارج السالكين : المقدمة .
تفريغ : السيد وسام عودة .
تدقيق لغوي : الآنسة عفاف الجزائري .
تنقيح نهائي : المهندس غسان السراقبي .

ابن الطيب
07-21-2008, 05:22 AM
الحقيقة هناك مصادر عِدة لمعرفة الله عزّ وجل : أولاً جاءك خطابٌ منه وهو القرآن الكريم فإذا قرأت القرآن وتدبرته أو جلست في مجلس علمٍ وتعلمت تفسيره وأحكامه فهذا باب كبير من أبواب معرفة الله عزّ وجل وهناك باب آخر جاء في القرآن الكريم .. إذا تأملت في خلق السماوات والأرض رأيت عظيم الصنعة ودقة الصنعةِ والحكمة والعلم ، كأن هذا الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى . معك القرآن مصدر لمعرفة كلامه والكون مصدر آخر وأفعاله مصدر ثالث ولكن الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فرّق بين أنواع ثلاثة قال : هناك من يعرفه ، وهناك من يعرف أمره ، وهناك من يعرف خلقه . فخلقه .. العلوم العصرية .. الرياضيات ، الفيزياء ، الكيمياء ، الجيولوجيا ، الفلك ، الفيزياء النووية ، الفيزياء الكيميائة ، الكيمياء العضوية ، الكيمياء المعدنية هذه كلها فروع معرفة خلقه العلم في هذه الموضوعات نما نمواً مذهلاً .. .. إذا تأملت في خلق السماوات والأرض ترى دقة الصنعة ، ترى الاتقان ، ترى الإعجاز ، ترى أن هذه الصنعة تكشف عن علمٍ وعن حكمة وعن تقديرٍ وعن رحمةٍ وعن إكرامٍ ، فأشياء كثيرة خُلقت خصيصاً لك .
{{ و ذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون}}العلم الثاني : العلم بأمره ، الله عزّ وجل له أمرٌ وله نهي وهذا الأمر مأخوذ من كتاب الله أولاً ومن سنته ثانياً ومن الإجماع والقياس ثالثاً ورابعاً والعلم بأمره يقتضي الدراسة والاستماع والمطالعة والحفظ والتذكر .. يعني .. الطريقة المدرسية لابد من أن تقرأ ولابد من أن يعلمك معلم ولابد من أن يثقفك مثقف ولابد من أن تسأل ولابد من أن تجاب ولابد من أن تحفظ ولابد من أن تذكر .. هذا العلم بأمر الله ، أما العلم بالله شي آخر وربما الباعث لهذا الدرس أن تزداد معرفتنا بالله عزّ وجل .. العلم بالله طبيعته ليست من طبيعة العلم بأمره وخلقه ، العلم بأمره وخلقه هذان الاثنان يحتاجان إلى الطرق المعروفة في اكتساب العلم .. الطرق المعروفة .. الدراسة ، القراءة ، المتابعة ، الحفظ ، التذكر . ولكن العلم بالله عزّ وجل هذا له طبيعة خاصة الإمام الغزالي لخصها بكلمتين قال : " جاهد تُشاهد " . والنبي عليه الصلاة والسلام لخصها في الحديث قال : " من عَمِلَ بما عَلم ( من طبّق الشرع تماماً ) أورثه الله عِلمَ مالم يعلم " .
يعني أنت أمام معرفة الله عزّ وجل لاتحتاج إلى قراءةٍ كمعرفة أمره وخلقه ، تحتاج إلى غض بصرٍ وإلى تحرير دخلٍ ، وإلى ضبط نفسٍ ، وإلى صيانة الجوارح عن المعاصي ، وإلى الإحسان ، وإلى البذل، وإلى العطاء ، كلما ازددت قرباً من الله عزّ وجل قذف الله في قلبك النور ، ازداد قربك من الله وازداد قلبك إشراقاً .
و المُعَوَلُ عليه ، قوله تعالى " قد أفلح من زكاها .. مؤمن يكذب ، مؤمن يتساهل يفعل بعض المعاصي .
لن تنعقد الصلة بينه وبين الله أبداً ، ومالم تنعقد هذه الصلة لاتقطف ثمار الدين ، الدين يصبح حركات، الصلاة تصبح طقوساً ، الصلاة والصوم والحج تنقلب إلى طقوس ، والمعلومات تنقلب إلى ثقافات ، والثقافة تُملّ والطقوس تُملّ لهذا وصف الله المنافقين بأنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى يراؤون الناس ولايذكرون الله إلا قليلاً . في الدين ثمرات يانعات ، هذه السعادة سعادة أبدية ، وطمأنينة نفسية ، وشعور بأن الله يحبك ، بأن الله راضٍ عنك ، وسمو في النفس ، وبعد عن سفاسف الأمور ، فجوانح المؤمن نقية طاهرة لاتحقد ، لاتبغض ، لاتنتقم ، لاتتزلف لاتنافق ، لاتخنع، هذه النفس الأبية التي جاء وصفها في القرآن الكريم لن تسطيع أن تمتلكها إلا إذا اتصلت بالله عزّ وجل .
جاهد تُشاهد .. يمكن أن تعرف أمر الله إذا كنت ذكياً ولك ثقافة جيدة وعندك المراجع الكافية يمكن أن تقرأ قراءةً متقنةً وأن تلّخص وأن تراجع وأن تذاكر وأن تؤدي امتحاناً وأن تنال شهادةً ... هذا بإمكانك .. لكنه لن يتجلى الله على قلبك إلا إذا كنت مستقيماً ، إلا إذا كنت عند الأمر والنهي فالسرّ سرُ أن تسعدَ بالدين أن تُقبل على الله ربِ العالمين والله لايقبل إلا طيباً . إن الله طيبٌ ولايقبل إلا طيباً وإن الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين .
نحن أمام علمٍ بالله ، هذا العلم بالله طبيعته غير طبيعة العلم بأمره والعلم بخلقه بعضهم قال النبي عليه الصلاة والسلام أقواله شريعة وأفعاله طريقة وأحواله حقيقة .
أقواله شريعة : كل شيءٍ أمر به فهو تشريع ، كل شيء نهى عنه فهو تشريع ، كل شيء أقرّه فهو تشريع ، كل شيء سكت عنه فهو تشريع و أفعاله كيف صلى .... نحن أمام فقيه أمام عالم بالشريعة وعالم بالطريقة ، عالم الشريعة يقول يجب أن تستقبل القِبلة ..، ويجب أن تكــون طاهراً ، طاهر البدن وطاهر الثوب وأن يكون المكان طاهراً ، ويجب أن تقف منتصب القامة ، ويجب أن تقرأ الفاتحة وسورةً أو ثلاث آيات وأن تركع مطمئناً ... هذه الشروط والأركان والواجبات والسنن والمستحبات .. هذه حركات الصلاة الظاهرة ، هذه يعرفها علماء الشريعة معرفة يقينية ، أما علماء الطريقة ... يقولون لك يجب أن تستقيم على أمر الله حتى تصلي يجب أن تغض البصر ، أن تحرر الدخل ، يلزمونك بالاستقامة كي تنعقد لك الكرامة .. هذا من عمل علماء الطريقة .
أما أن تتقلبَ في معرفة اللهِ من حالٍ إلى حال ، ومن مرتبةٍ إلى مرتبة ، ومن منزلةٍ إلى منزلة ، فهذا من اختصاص علماء الحقيقة .
هذا العلمُ بالله كما قال الإمام الغزالي : جاهد تُشاهد ... هذا العلم بالله في كلمة قالها أعجبتني ( ثمنه من غير طبيعة ) .. الشيء المعروف أن العلم يحتاج إلى كتاب وإلى قراءة وإلى تلقي وإلى تعلم ولكن العلم بالله يحتاجإلى استقامة .. وكأن النبي عنى هذا المعنى حينما قال :
عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ *
(سنن الدارمي) "كفى بالمرء عِلماً أن يخشى الله "
يقول الإمام الغزالي : "إن هذا العلم بالله ثمنه باهظ ونتائجه باهرة" ..
يقرأ إنسان كتاباً وهو مقيم على معصية ، يعطي نفسه ماتشتهي يفعل مايريد ويقرأ وهو ذكي الحافظة ، ذكي الفكر ، قوي الحافظة .. يستوعب ..وهذا الثمن بسيط ، ولكن ثمن العلم بالله ثمن باهظ .. إذا كان هناك شهوةً تقيم عليها ، إذا كان هناك معصيةً تصر عليها ، فالطريق إلى الله مسدود لن يسمح لك أن تقترب ، لن يسمح لك أن تسعدَ به ، لن يلقي على قلبك من نوره ومن تجلياته ومن جلاله إلا إذا آثرته على كل شهواتك وعلى كل خلقه .. لذلك حينما قال الله عزّ وجل:
{{ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون و الذين هم عن اللغو معرضون}}(سورة المؤمنون )
قالوا اللغو : كلُ ما سِوى الله . وحينما قال النبي عليه الصلاة والسلام :
عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأنِ أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ .....*
(صحيح مسلم)
الإمام الغزالي قال : "هناك أربعة مستويات لفهم هذا الحديث ".
المستوى الأول أن تُطّهر أعضاءك من النجاسات والقاذورات ، المؤمن نظيف بالمعنى المادي . وأن تُطّهــــر جوارحك من المعاصي والآثام ، وأن تُطّهر نفسك من الأخلاق المذمومة.. الغضب ، الكبر ، الحسد ، وأن تُطّهــر قلبك مما سوى الله .. أربع مستويات لطهارة البدن .. ثمنها باهظ .
ألا إن سلعة اللهِ غالية . إنسان يطــــوف حول الكعبة ويقول ياربي هل أنت راضٍ عني..؟.. كان وراءه الإمام الشافعي قال هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك .. ؟ قالياهذا من أنت ..؟. قال : أنا محمد ابن إدريس . قال : وكيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه..؟.. قال : إذا كان سرورك بالنِقمةِ كسرورك بالنِعمةِ فقد رضيت عن الله .
الثمن باهظ .. أن تضع كل الشهوات تحت قدمك ، أن تضع كل الرغبات تحت قدمك ، أن تقول إلهي أنت مقصودي ورِضاكَ مطلوبي
{{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة و الإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم }}
( سورة التوبة )
أنفسهم وأموالهم " في أكثر آيات القرآن قدّمَ الله المالَ على النفس لسهولةِ إنفاقه أمام النفس ، الإنسان ينفق الأسهل فالأصعب ، إنفاق المال أسهل من إنفاق النفس إلا في هذه الآية.. قدّمَ النفسَ على المال لأنه هو الأصل .. لأن النفسَ هي الأغلى والجودُ بالنفسِ أقصى غاية الجودِ ..
نحن الأن على مستوى الحياة الدنيا .. إنسان ينال دكتوراه وهو نائم مسترخ مستلق في فراشه دائماً مع رفاقه يمضي الساعات الطِوال في القيـــل والقال وفي المُزاح ويأخذ الدكتوراه مستحيل ..!! . لابد من أن ينقطع ، لابد من أن يؤثر الدراسة على كلَ شيء ، من أجل شهادة دنيوية .. أتريد مقاماً عند الله ..؟.. أتريد مقعدَ صدقٍ عند مليكٍ مقتدر ..؟.. أتريد أن يحبك خالق الكون ..؟.. هذا يحتاج إلى بذل ، إلى انضباط الثمن باهظ جداً ... الثمن أن تضع كل الرغبات تحت قدمك . الوقت كله لله عزّ وجل ...
الشيء الثاني .. قال له ياسيدي كم الزكاة ..؟. قال له عندكم أم عندنا ..؟ ماعندكم وما عندنا ..؟. قال عندكــم ربع العشر ، أما عندنا العبد وماله لسيده . وقتك ومالك وطاقاتك وذكاؤك وفكرك وعضلاتك وبيتك دائماً لله عزّ وجل .
الكلمة الثانية للإمام الغــزالي : والنتائج باهرة جداً .إذا علمت أمر الله فقط .. هذه الأوامر والنواهي والدقائق والتفصيلات والأدلة والقواعد الأصولية كلها محشوةٌ في الدماغ ، تجد عنده قدرة رائعة جداً للإجابة عن أي سؤال ومع ذلك إذا مرت امرأة في الطريق على جانبٍ من الجمال .. ملأ منها عينيه . غريب ..!! هذا عالمٌ بأمر الله .
وليس عالماً بالله عزّ وجل .. إن عصيت الله لاتعرفه .. أنت لاتعرفه لاتنظر إلى صِغر الذنب ولكن انظر على مناجترأت .. لو أنك تعرفه حق المعرفة لما اجترأت على معصيته إطلاقاً . أنت تعرف أمره ولاتعرفه ، لو عرفته لما عصيته .. هذا ماعناه النبي عليه الصلاة والسلام" : كفى بالمرء علماً أن يخشى الله "
فالمعلومات التي تنالها من كتاب وتحفظها جيداً وتؤدي بها امتحاناً وتنجح .. هذه كلها محشوةٌ في الدماغ ، لكن النفسَ في وادٍ آخر قد تشتهي المعصية ، قد تشتهي العمل الذي لا يُرضي الله .
يقول الإمام الغزالي : النتائج باهرة جداً .. يعني .. العلم بالله يشيع في النفس الإنسانية فيسمو بها ، كيف تُحس بهذا ..؟.. إنك إنجلست مع إنسان من أهل الدنيا .. ترى دناءته ، ترى سخافة عقله ، ترى تعلّقه بالسفاسف ، ترى أنانيته ، تُحس أن بينك وبينك دورٌ شاسع .. دورٌ كبير
العلم بالله يحتاج إلى طاعة وإلى بذل .. ماذا قال النبي .. سُئل عن الإيمان قال عليه الصلاة والسلام :"الإيمان عِفةٌ عن المطامع عِفةٌ عن المحارم
الإيمان : الصبر والسماحة . إذا جاءك شيء بالأمر التكويني مزعج ، عليك الرضا لأن الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين إذا جاءك أمر الله التكويني ترضى به .. الصبر .. وإذا جاءك الأمر التكليفي تنفق، فأنت بين صبرٍ وبين بذلٍ ، الصبر تلقي والبذل عطاء . فالإيمان الصبر والسماحة ، يجب أن نضع أيدينا على جوهر الدين .. قصة أقولها كثيراً . هذا البدوي الراعي الذي قال أين الله حينما أغراه سيدنا عمر أن يعطيه الشاة ويأخذ ثمنها دون علم صاحبها .
وما ذاق طعم الإيمان إلا من استقام على أمر الله ، وماذاق طعم الإيمان إلا من أقبل عليه ، وماذاق طعم الإيمان إلا من ائتمر بأمره . الإمام الجنيد سُئل : من وليُ الله ..؟.. أهو الذي يمشي على وجه الماء .؟. أم الذي يطير في الهواء .؟. قال لا ، الولي ُكلُ الولي الذي تجده .. عند الأمر والنهي . هذا وليُ الله .
فالعلمٌ بخلقه الجامعات كلها في أنحاء العالم تُعلّم الناس القوانين والقواعد التي أودعها الله في هذا الكون و حتى هذه القوانين يمكن أن تكون طريقاً إلى الله عزّ وجل .. يمكن .. الطبيب إذا أراد أن يعرف الله عزّ وجل من خلال الدقائق التي يقرؤها يمكن أن يكون عِلمُ الخليقةِ باباً إلى الله الطبيب الذي يتمنى أن يكون طبيباً ذائع الشهرة ويكسب الآلاف المؤلفة هذا لايرى في آيات الله شيئاً يقرأ ولايرى شيئاً ، لكن الطبيب الذي يريد أن يعرف الله من خلال عِلمه يصبح عِلمُ الخليقةِ باباً إلى الله ويصبح أيُ علِمٍ من العلوم الأرضية العصرية الكونية باباً إلى الله عزّ وجل ، متعلّق بمشيئة الطالب . طالب العلم . عِلم الخليقةِ يحتاج إلى مُدارسة .. نُلخص القراءة والمذاكرة والتلخيص والحفظ وأداء الامتحانات بكلمة مُدارسة .. عِلمُ الخليقةِ يحتاج إلى مُدارسة وتبقى نتائجه في الدماغ والعلم بأمر الله يحتاج إلى مُدارسة وتبقى نتائجه في الدماغ .. الفكرة هي تُفسّر لكم أن إنساناً يعرف أن هذا حرام ويفعله .. هذا عَلِمَ الأمر ولم يعرف الله عزّ وجل ، عَرَفَ أمره ولم يعرفه . فالنبي عليه الصلاة والسلام بدأ بمرحلتين ... المرحلة المكيّة والمرحلة المدنّية .
المرحلـة المكيّة : تعريفٌ باللهِ عـزّ وجل ، والمرحلـة المدنيّة : تعريفٌ بأمره . وأيةُ دعوةٍ إلى الله تتجاهل هذا الترتيب وتبدأ بتعريف الناس بالأمر قبل تعريفهم باللهِ عزّ وجل هي دعوةٌ ليست ناجحة .. تنشأ الحيل الشرعية مادام عَرَفَ أمره ولم يعرفه يحتال على تطبيق أمره .
موضــوع الحيل الشرعية .. في أغلبه بعد عن الله ، هذا الموضـوع أساسه إذا وضعت زكاة مالك في رغيف وقدّمته إلى فقير وقلتَ له خذه هِبةً مني ، وبعد أن أخذه سألته أتهبني إياه وخذ مائة ليرة ..؟.. الرغيف فيه خمسة آلاف . من يفعل هذا عَرَفَ الأمرَ ولم يعرف الآمر ، مشكلتنا يجب أن نعرف الآمر قبل الأمر ، يجب أن نعرف الله قبل أن نعرف أمره ، وإذا عرفنا الله وأمره معاً لامانع ، أما أن نبدأ بأمره فقط دون أن نعرفه .. أغلب الظن أن الذي عَرَفَ أمره لايطبّقُ أمره ، بل يحتال على هذا الأمر كي لايطبّقه ، فالعِلمُ بالأمرِ ، والعِلمُ بالخلقِ ، والعِلمُ باللهِ أساسه طاعةُ اللهِ عزّ وجل ويجب أن يكون الحديث الشريف : " من عَمِلَ بما عَلم ورّثه الله عِلمَ مالم يعلم "
يعني أنت إذا اتقيت الله عزّ وجل طبّقت أمره كله عندئذٍ يأتيك العلم الذي نتحدث عنه في هذا الدرس وفي دروس قادمة إن شاء الله تعالى .



والحمد لله رب العالمين

فاتن
07-21-2008, 11:31 AM
[Only Registered Users Can See Links]
اطال الله في عمره ونفع الاسلام المسلمين بعلمه
جزيت الجنة اخي الكريم

[Only Registered Users Can See Links]

فصيح
07-21-2008, 09:04 PM
موضوع جميل ومميز

تقبل تحياتى

ابن الطيب
07-22-2008, 01:47 AM
أختي في الله فاتن
أخي في الله فصيح
شكرا لمروركم الكريم و
[Only Registered Users Can See Links]

ابن الطيب
07-22-2008, 02:43 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


أيها الأخوة الأكارم .... الله سبحانه وتعالى يقول :

" إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين "(2)

(سورة الزمر )

العبادة تمام الخضوع للهِ عزّ وجل ، أما مخلصاً إعرابها حال يعني إذا عبدت الله عزّ وجل يجب أن تكون حالك المرافقة لهذه العبادة هي الإخلاص ، إذا عبدت الله عزّ وجل واستسلمت لأمره وتوجهت إليه ينبغي أن تكون حالك التي ترافق هذه العبادة حالة الإخلاص .
في الإنسان شيءٌ ظاهر هذه الجوارح ، وشيءٌ باطن .. القلب . للجوارح عبادة ، وللقلب عبادة . حينما سأل سيدنا داوود عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، حينما سأل ربه قال ياربي أيُ عبادك أحبُ إليك ..؟.. ( الحديث معروف ) حتى أحبه بحبك قال أحبُ العباد إليّ نقيُ القلبِ نقيُ اليدين ، لايمشي إلى أحدٍ بسوء أحبني وأحبَ من أحبني وحببني إلى خلقي .. قالَ ياربي إنك تعلمُ أني أحبك وأحبُ من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك ..؟.. قالَ ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي . فالآلاء من أجلِ أن يشعر القلب بعظمة الله ، والنعماء من أجلِ أن يشعر القلب بمحبة الله ، والبلاء من أجلِ أن يشعر القلب بالخوف من الله .
القلب له عبادة ، يجب أن يمتلئ القلب تعظيماً للهِ عزّ وجل ، إنما يخشى الله من عباده العلماء ، يجب أن يمتلئ القلب حباً باللهِ عزّ وجل ..

"ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب"


(سورة البقرة)

يجب أن يمتلئ القلب خوفاً من الله تعالى . ..لابد من التعظيم ، ولابد من الخوف ، ولابد من المحبة .. هذا الدرس له هوية خاصة هذا القلب الذي بين جوانحنا ، هذه النفس التي هي ذاتنا .. التي أمرنا الله عزّ وجل أن نزكيّها أين نحن من تزكيتها .. أين وصلنا ..؟.. ماذا قطعنا ..؟.. كم بقي أمامنا ..؟.. محور هذا الدرس إن شاء الله تعالى تزكية النفس وسلامة القلب وأن يكون القلب مفعماً بالمشاعر التي أرادها الله عزّ وجل .
الحقيقة لو استعرضتم كتاب الله عزّ وجل لوجدتم أنه أكثر من مئة آية أو تزيد تتحدث عن الحب .. الحب مادته في القاموس حَبَبَ .. .. ميلُ القلب فقلبُ المؤمن لابد من أن يميل إلى الله عزّ وجل .
لابد من أن يميل إلى الله .. لو أن الإنسان طبّق الأشياء الظاهرة ولم يجد في قلبه ميلاً إلى الله لم يجد في قلبه أُنساً بالله .. يجب أن يُراجع نفسه .. أحياناً تفعل شيء وترى أن هذا الشيء الذي فعلته لم يحقق الهدف .. تُراجع نفسك فنحن نريد في هذا الدرس أن يُراجع الإنسان نفسه قلبه هل سليمٌ كما أراد الله عزّ وجل ..؟..
"يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم"

(سورة الشعراء )

هل أنا أشدُ حباً لله ..؟..

قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين

(سورة التوبة )

كلمة .. أحبَّ ، ويحبُّ .. مادة الحب في القرآن تزيد عن مئة آية . فما الحب ..؟..
أول فكرة في الموضوع هناك مقولةٌ شهيرة أن الربَّ ربٌ والعبدَ عبدٌ . الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء ..لا يشبه عباده ... حاشا وكلا كلُ ماخَطَرَ في بالك فالله سبحانه وتعالى خِلاف ذلك .
الربُ ربّ والعبدُ عبد . ولا نسبة بينهما ، ليس بمتجزئ ولا بمتبعضٍ ولا صورةٍ ولا متلونٍ ولا يسألُ عنه بأين هو لأنه خالقُ المكان ، ولا بمتى هو لأنه خالقُ الزمان ، وكل ماخَطَرَ ببالك فالله خلاف ذلك ، عَلِمَ ماكان وعَلِمَ ما يكون وعَلِمَ مالم يكون لو كان كيف كان يكون .. كلام سيدنا علي .
نسبةٍ بين العبد وبين الربّ ... قال العلماء : إنه الحب .. هناك علاقةٌ بين العبدِ وبين الربّ العبد يحب الله عزّ وجل والله سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم قال :
" يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم "

(سورة المائدة )

والله سبحانه وتعالى يحب المؤمنين والمؤمن أشدُ حباً لله .
هناك علاقةٌ بين العبد وبين الرب .. إنها علاقة المحبة . لذلك ! قال بعض العلماء : " إن الكون كله دليل أن الله سبحانه وتعالى قاهرٌ .. إرادته هي القاهرة :
"يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان "

(سورة الرحمن )

فاتجاه الإنسان إلى اللهِ وحبه له دليلُ أن الله سبحانه وتعالى أسماؤه حسنى . .. المخلوقات جاءته مقهورة ، أما الإنسان جاءه مُحباً ، وشتان بين أن يأتي المخلوق مقهوراً وبين أن يأتي محباً . هو الاختيار .. أنت تأتي ربك طائعاً ، مختاراً ، مستسلماً ، طواعيةً ، فتنتسب إليه .

" قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم"

(سورة الزمر )


" وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا "

(سورة الإسراء )

هذا تشريف .. علماء البلاغة يقولون هذه نِسبةُ تشريف .. عبادي .. أُضفنا إلى ذاته العظيمة ، أُضفنا إلى ذاته إضافة تشريف وتكريم . " قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن " ، هذه الفكرة الأولى .
أما الفكرة الثانية : العبادة التي من أجلها خُلقنا ، الله سبحانه وتعالى يقول : "يامعشر الجن والإنس"

"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "

(سورة الذاريات )

العبادة لو فقدت معنى الحب ليست عبادة .. لو فقدت العبادة معنى الحب أصبحت طاعة ، وقد تطيع من لاتحبه ، قد تحب من لاتطيعه ، أما إذا أحببته وأطعته فقد عبدته ، من تعريف العبادة غاية الخضوع مع غاية الحب . هذه هي الفكرة الثانية في موضوع الحب .
الفكرة الثالثة : الإسلام له مظهر .. في صلاة .. نتوضأ ونقف ونقرأ ونركع ونسجد ، في صيام ، في حج ، في زكاة ، في تعامل .. تعامل يومي ، أحكام الزواج ، أحكام الطلاق ، أحكام المواريث ، أحكام البيوع ، هذا كله أحكام ظاهرة ، هذه الأحكام روحها محبة الله عزّ وجل ، فإذا خلا الدين من الحب أصبح الدين جسداً بلا روح ... الحب مُحرك والعقل مقود . أنت بالعقل تقود نفسك إلى الطريق الصحيح أو إلى الهدف الصحيح ، أو أنت بالعقل تحافظ على بقائك على الطريق ولاتَزِلُ بك القدم ولكنك بالحب تتحرك ، تسير ، تنطلق .
المعلومات و دقائق العلم و الأفكار الدقيقة و اللّفتات العقلية و الثقافات مهما تعمّقت ، والكتب مهما .. .. كان لها شهرةٌ ذائعة ، قِوامها الحب فإذا خلا العلم من الحب أصبح جسداً بلا روح . المنافقون ..
" إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا "


(سورة النساء )

" يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا "



(سورة الأحزاب )

نحن نتحدث عن موضوع الحب لأنه أصلٌ في الإيمان ... لايؤمن أحدكم حتى يكون هواه ( ميلُ قلبه ) تبعاً لِما جئت به ، والآية التي قلتها قبل قليل " قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ" .
لابد من أن تُحبَ الله ورسوله قبل كلِ شيء . ياعمر كيف أصبحت ..؟.. قال واللهِ يارسول الله أصبحت أحبك أكثر من أهلي وولدي والناسِ أجمعين إلا نفسي التي بين جنبي .. قال ياعمر لمّا يكمل إيمانك بعد .... إلى أن قال له مرةً ثانية : الآن يارسول الله أحبك أكثر من أهلي وولدي والناسِ أجمعين حتى نفسي التي بين جنبي . قال الآن ياعمر .
يعني .. الآيات والأحاديث الصحيحة الثابتة وأقوال أصحاب رسول الله المتعلقة بالحب كثيرةٌ جداً جداً .
بعض الأحاديث ... الضعيفة : "ألا لاإيمان لمن لامحبة له"
ألا لا إيمان لمن لامحبة له . ألا لاإيمان لمن لامحبة له . قال : أهل الحب فازوا بشرف الدنيا والآخرة معاً .. الحقيقة أن الإنسان لابد من أن يحب . الإنسان عقلٌ يدرك وقلبٌ يحب .. و البطل الذي يعرف من يحب .
قد تُحب امرأةً ، قد تُحب مسكناً ، تُحب مهنةً ، تُحب مُتعةً ، تُحب لذّةً ، تُحب صديقاً ، تُحب أخاً ، تُحب بلداً ، تُحب مكاناً ، تُحب زماناً ، ولكن المؤمن نَظَرَ فرأى كلَ من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام فأحبَّ الله ، إما أن تُحبَ شيئاً فانياً وإما أن تُحب الباقي على الدوام .
الإنسان لمّا يموت ( هكذا جاء في الأحاديث الشريفة ) يخاطبه الله عزّ وجل في الليلة الأولى في قبره يقول : ( عبدي رجعوا وتركوك ) أول يوم الحزن شديد ، ثم يخف الحزن ، الثريات كانت مغطاة بقماش .. أزيح القماش ، الصور قلبوها أعادوها كما كانت ، بعد أسبوع صار يضحك ويبتسم في البيت ، بعد أسبوعين (أولَمَ وليمة ) ، بعد شهر ذهب يتنزه ، أين الميت ..؟ . نسوه قال له : ( عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ولو بقوا معك مانفعوك ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحيُّ الذي لايموت ) .
أتحبُ الشيء الفاني !! أم تُحب الباقي ..؟.. لذلك .. قال: أهلُ الحب ذهبوا بخير الدنيا والآخرة ، بل ذهبوا بشرف الدنيا والآخرة ؟ ... لِقول النبي عليه الصلاة والسلام : " المرء مع من أحب " .
ألايكفينا هذا الحديث ..؟.. المرء مع من أحب .. المؤمن مع الله .
الله سبحانه وتعالى يرزق عباده جميعاً . قال له : عبدي لي عليك فريضة ولك عليَّ رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ... فأنت تأكل وتشرب ليس معنى هذا أن الله يحبك ، أن تُوّفقَ في تجارتك ليس معنى هذا أن الله يحبك ، أن تكون صحتك طيبة قوية ليس معنى هذا أن الله يحبك ، أن تكون غنيّاً ليس معنى هذا أن الله يحبك ، قارون .. آتاه الله من الكنوز ماإن مفاتيحه لتنوء بالعصبةِ أولي القوة ، أن تكون قوياً ليس معنى هذا أن الله يحبك . فرعون قال أليس لي مُلكُ مِصرَ وهذه الأنهار تجري من تحتي .
الحب شيء والرحمة شيء آخر ، لذلك ! علماء التوحيد قالوا " محبة الله لعباده صِفةٌ زائدة على رحمته ". أنت قد ترحم إنساناً سيئاً ، قد ترحم إنساناً جاهلاً ، قد ترحم إنساناً لئيماً . مثل يعني .. الأب يطعم أولاده جميعاً ولكن الأب أحياناً قلبه يتجه إلى أحدِ أولاده فاتجاه قلب الأب إلى أحدِ أولاده هذه صفة زائدة على رحمته بهم . الله سبحانه وتعالى يرزق عباده جميعاً، يرحم عباده جميعاً ، يعطي عباده جميعاً .
" كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا "



(سورة الإسراء )

ولكن الله سبحانه وتعالى لايحب إلا المؤمنين الصادقين .
إذاً : الحب شيء ثمين جداً ، الحقيقة سِلعةُ الله غالية ،

أحبابنا اختاروا المحبة مذهـــباً و*** ماخالفوا في مذهب الحب شرعنا
فلو شاهدت عينــاك مــن حسننا ***الذي رأؤه لمّا وليت عـــنّا لغيرنا ،
ولو سمعت أذناك حُسنَ خِطابنــا *** خلعت عنك ثيــاب العُجبِ وجئتنا
ولو ذُقت من طعــــمِ المحبةِ ذرّةً *** عذرت الذي أضــحى قتيلاً بحبنا
ولو نسمت من قربنا لك نسمــةٌ *** لمتَ غريباً واشتـــياقاً لقــربـــنا
فما حُبنا سهلٌ وكل من ادعـــى *** سهولته قــلــنـا لـــه قـــــد جهلتنا .
فأيسر مافي الحب للصب قتلـــه *** وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا

فالحب ثمنه باهظ لذلك قال : ألا إن سِلعةَ الله غالية لكن المشكلة أُناساً كثيرون يدّعون الحب خاضوا بحار الهوى وماابتلوا . قضية سهلة .. كلٌ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لاتُقرُ لهم بذاكَا .
إدّعاء الحب سهلٌ جداً لذلك لمّا أعرض بعض المدرّسين عن الخوض في موضوعات الحب ، موضوعات القلب سببه أن كل إنسان مما هبَّ ودبّ يدّعي أنه محبٌ لله عزّ وجل الدعوة سهلة يقول لك أنا أحب الله . فقال لمّا كَثُرَ مدّعو المحبة طولِبوا بإقامة البيّنة . إذا توفي رجل وله أموال فطرق الباب طارق وقال أنا لي عنده مائة ألف .. فيعطى المبلغ ، وإذا طرق الباب طارق وقال أنا لي عنده نصف مليون أيعقل أن يعطي الورثة كلَ من يدّعي أن له عندَ الميتِ مبلغاً ..؟.لا بد من سؤاله : أمعك إيصال ، معك سند ، هل هناك شهود ، أمعك بيّنة ، أمعك دليل ..؟..
دعوى الحب عريضة جداً وواسعة جداً .. لمّا كَثُرَ الأدعياء طولِبوا بإقامة الدليل والبيّنة . والدليل طبعاً قيل لو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخليُّ حُرقةَ الشجيّ ..لمّا كَثُرَ مدعّو المحبة طالبهم الله بالدليل .. قال :

" قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم "
(سورة آل عمران )



تعصي الإله وأنت تُظهر حبه *** ذاكَ لعمري في المقامِ بديعُ .
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه *** إن المحّبَ لمن يحبُ يطيع .



أتمنى على كل أخ مؤمن أن لايسمح لنفسه ، أن لايسمح لخاطره أن يقول : أنا أحبُ الله وهو مُقيم على مخالفة أمره . هذه وقاحة ، هذه دعوى كاذبة ، هذا سوءُ أدب ، هذا ذنبٌ يضيفه إلى ذنوبه . لو أنَّ أباً تناولَ أطيبَ الطعام أمام أولاده والأولاد ساكتون ... وقال لهم أنا أحبكم ياأولادي .. هذه الكلمة ذنبٌ جديد يضافُ إلى ذنوبه لأن فعله يتناقض مع قوله .
فلذلك .. لاأحد يدعّي ولاأحد يقول أنا أحبُ الله إذا كانَ مقيماً على معصية لأنك إذا أقمت على معصية معنى ذلك أن اللّذةَ التي تأتيك من هذه المعصية أغلى عليك من الله عزّ وجل ، أغلى عليك من رضوان الله .
و معنى "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم "... إذا أطعت زوجتك وعصيتَ ربك فإنك محبٌ لزوجتك أكثرَ من حبك لربك ، قولاً واحداً بالدليل القطعي : إذا آثرت بيتاً على طاعة الله في الإقامة فيه شُبُهة ، في اقتنائه شُبُهة ، إذا آثرت مسكناً ، آثرت تجارةً مشبوهة على طاعة الله عزّ وجل ، آثرت طريقة في كِسبِ المال على طاعة الله عزّ وجل ، آثرت أن تكون مع ابنك على غير ما يرضي الله ، آثرت أن تُرضي جارك آثرت أن ترضي شريكك على حسابِ طاعتك لربك بالدليل القطعي إنك تُحبُ هذا الذي آثرته أكثر مما تُحبُ الله . أما المؤمنون " والذين آمنوا أشدُ حباً لله "
وكلُّ من يتبّع النبي عليه الصلاة والسلام محبٌ لله .
الله عزّ وجل يقول يصف المؤمنين بأنهم يجاهدون في سبيل الله ولايخافون لومة لائم أنت قد تطيع الله ومع ذلك تخاف لومة لائم أما في مستوى أعلى من هذا المستوى .. الطاعة محبة... أن لاتخافَ في الله لومةَ لائم هذه محبةٌ أعلى ، أن تجاهدَ في سبيل الله نفسكَ وهواك ، أن تضع كل شيء في سبيل الله هذه محبةٌ أعلى ، أن تبيع نفسك ووقتك وجهدك وخِبرتك واختصاصك وكُلَ ما تملك هذه محبةٌ أعلى ... الطاعة درجة والجهاد درجة أعلى والبيع درجة أعلى لكنك إذا بِعتَ كلَّ شيء نِلتَ كلَّ شيء . الله سبحانه وتعالى أكرمُ الأكرمين ، إذا بِعته كلَّ شيء أعطاكَ كلَّ شيء وزيادة . لذلك .. الحديث
والله الذي لاإله إلا هو لو أردده آلاف المرات لاأشبع منه
يتبع إن شاء الله تعالى...............

ابن الطيب
07-22-2008, 02:59 AM
"من شَغَلَه ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين "
إذا كنت مشغولاً بذكر الله ، وطاعته مشغولاً بالتقرب إلى الله ، وخدمة خلقه مشغولاً بإرضاء الله ، تأتيك الدنيا وهي راغمة ... هم في مساجدهم والله في حوائجهم ، كنّ لي كما أريد أكن لك كما تريد ، كن لي كما أريد ولا تعندني بما يصلحك ، من أحبّنا أحببناه ومن طَلَبَ منّا أعطيناه ومن اكتفى بنا عمَّ لنّا كنّا له ومالّنا .
إذا بعت الله عزّ وجل وقتك وجهدك وخِبرتك وطاقتك وعضلاتك بعته كلَّ شيء نِلتً كلَّ شيء ياربي ماذا فَقَدَ من وجدك ..؟.. وماذا وَجَدَ من فقدك ..؟.. ماذا فَقَدَ من وجدك.. واللهِ ما وجد شيئاً .
إذا سلّمت لي في ما أريد كفيتك ماتريد وإن لم تُسلّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تُريد ثمَ لايكون إلا ما أريد الحقيقة .. الحديث عن المحبة موضوع شاق .... لو قلتُ لك صفّ لي العسل .. ماذا تقول ؟ العسل حلوُ الطَعمِ والسكر حلوُ الطَعم ، أنا آتيك بعشرات الأصناف بمئة صنف كلها حلوة الطعم .أريد العسل تقول لي حلوُ الطَعم لزج القوام . والقطر لزج القوام هل تستطيع اللغة أن تصف بدقة بالغة طعم العسل ..؟.. لو أن إنساناً كَتَبَ مجلداً عن طعم العسل يغني عن هذا المجلّد أن تلعق لعقة عسلٍ واحدة
واللهِ أريد أن ألقي عليكم أمثالاً لاحُباً بطرح الأمثال لأن لها محاذير بصراحة ولكن بين إدعّاء الحب وبين أن تكون مُحباً مسافة كبيرة جداً ... من قال خمسمائة مليون ليرة سورية أيُّ إنسان يستطيع أن يقول خمسمائة مليون ليرة وقد لايملك ثمن رغيف خبز ولكن شتان بين من يقول هذا الرقم وبين من يملكه كم هي المسافة كبيرة بين من يقول خمسمائة مليون وبين من يملك هذه الملايين الخمسمائة .
والله الذي لاإله إلا هو يكاد الفرق نفسه ، بين من يدّعي المحبة وبين من يحب . يعني مثلاً كل إنسان بإمكانه أن يدعّي الحب ولكن يدعّي الحب وهو من أشقى الأشقياء ، يدعّي الحب وقلبه مقفر ، يدعّي الحب وهو خائف ، يدعّي الحب وهوقلق ، يدعّي الحب وهو ممزق، يدعّي الحب وهو ضائع .. ولكنك إذا أحببت الله فعلاً وألقى الله نوره في قلبك وأطلقَ لسانك بالحكمة هذه المشاعر لاتُقدر بثمن .
قلت لكم مرةً أن أكثر الأمراض أسبابها حالات نفسية صعبة .. فالحالة النفسية مهمة جداً الإنسان يرتفع بحالته النفسية وينخفض بحالته النفسية . "
ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين "


(سورة آل عمران (
لذلك هناك إدارات بكاملها : إدارة التوجية المعنوي لرفع الحالة المعنوية للجنود .
إذا كنت تنطوي على قلبٍ متصلٍ باللهِ مفعمٍ بالحب لك حالةٌ معنويةٌ طيبةٌ جداً .. هذه لها ثمن .
على كُلٍ كلمة الحب إذاأردنا أن نبحث في اشتقاقاتها اللغوية إلى أيّ الأبوابِ تعود ..؟.. قال بعض العلماء : الحب مأخوذٌ من الصفاء والبياض تقولُ حَببُ الأسنانِ أيّ بياض الأسنان ، فالحبُ فيه صفاءٌ وفيه بياض والبياض له معانٍ كثيرة في المجتمعات ، والحب بمعنى العلّو والظهور شيء عالٍ ، سامٍ ، صارخ ، ظاهر ، تقول : حبب الماءِ فقاعات الهواء التي تعلو الماء .. والحب اللزومُ والثبات .
من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا

) سورة الأحزاب (
يعني أنت عاهدت الله عزّ وجل في المنشطِ والمكرهِ ، في السرّاءِ والضرّاءِ ، في الغِنى والفقرِ ، في الصحةِ والمرضِ ، في إقبال الدنيا وإدبارها ، في الراحةِ وفي التعبِ ، في كلِ شيء تُعاهدُ خالقَ الكون.
فمن معاني الحب اللزوم والثبات .. تقولُ مثلاً : حبَّ البعيرُ أي بَرَكَ ولم يقم .
المعنى الرابع : الحب بمعنى اللبّ . قال بعضهم : الحبُّ لبابُ الدين . اللب . وبالدين مظاهر يجب أن نؤديها كاملةً ويجب أن نحترمها ولكن لبَّ الدين هو أن تُحبَ الله عزّ وجل ، ( الإيمان أن تُحبَ الله عزّ وجل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ) .
والمعنى الخامس : الحب هو الحِفظُ والإمساك ومنه حِبُ الماء أي وعاء الماء ، الصفاء والبياض ، العلو والظهور ، اللزوم والثبات ، اللباب ، الحِفظُ والإمساك . هذه كُلها المعاني المستفادة من كلمة الحب .
الحقيقة .. الحب شعور داخلي لايظهر ، له مظاهر مادية كل شيء في داخل النفس له مايؤكده في خارجها . العلماء تنوعت تعريفاتهم للحب قال بعضهم : المحبة هي الميل الدائم للقلب الهائم . في ميل إلى الله أما أهل النِفاق ينسون الله ، يغرقون في دنياهم ، يغرقون في مشكلاتهم ، يتيهون في الحياة ، لكن أهل الإيمان يذكرون الله كثيراً لأنهم يحبونه كثيراً ومن أحبَّ شيئاً أكثرَ من ذكره .. قاعدة .. لو فرضنا إنساناً قدّمَ لكَ خِدمة ثمينة راقب نفسك بأول لِقاء تحكي عنه ، تأتي للبيت تحكي عنه ، تلتقي مع صديق تتكلم عنه ... راقب نفسك خِلالَ أسبوعين أو أكثر كلما التقيت بإنسان تحدثتَ عنه من أحبَ شيئاً أكثرَ من ذِكره .
إذاً : علامة حُبِ الله عزّ وجل أن تُكثر من ذِكره . وقيلَ في الحب إيثار المحبوب على جميع المصحوب . جلسةٌ ممتعةٌ وذِكرٌ للهِ عزّ وجل ، نُزهةٌ رائعةٌ ومجلسُ علمٍ للهِ عزّ وجل طعامٌ نفيسٌ وخِدمةٌ لإنسانٍ طيب .
إذا كنت مُحباً لله دائماً وأبداً تؤثر مرضاة الله عزّ وجل على حظوظ نفسك حتى المباح. لكن الإنسان إذا أخذَ من الدنيا نصيبه دون أن تشغله عن طاعةٍ أو عن أداءِ صلاةٍ أو عن مجلسِ علمٍ أو عن قضاء واجبٍ .. فهذا ليسَ من الدنيا لأن الدنيا قِوام الحياة لقول النبي عليه الصلاة والسلام :
" ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولامن ترك آخرته لدنياه إلا أن يأخذَ منهما معاً فإن الأولى مطيةٌ للثانية " .
وقيلَ الحب موافقة الحبيب في المشهدِ والمغيب ، الإنسان يصلي في المسجد يتقن صلاته حِفاظاً على مكانته لكن إذا كانَ وحده خالياً يصليها سريع ، إذا كنتَ أمامَ مشهدٍ ممن يعجبون بك لك موقف فإذا كنتَ وحدك لك موقف ، إذا كنت في بلدك لك موقف ، إذا كنت في بلدٍ أجنبي لك موقف ، إذا كنت في موضعٍ مراقبٍ فيه لك موقف ، إذا كنت في موضعٍ لستَ مراقباً فيه لك موقف ...
لذلك .. ورد في بعض الأحاديث : " من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله " .
دَخَلَ في النِفاق من علامات الحب استكثار القليل من ذنوبك واسقلال الكثير من طاعتك . المحبون للهِ عزّ وجل مهما قلت ذنوبهم يخشونه ومهما كَثُرت طاعاتهم يستقلونها ، أما المنافقون لو فعلَ عملاً صالحاً يملأ الدنيا صخباً وضجيجاً وينمُّ به ويقول فعلتُ كذا وكذا . من علاماتِ المُحب أنه يستكثر القليل من ذنوبه ويستقلُ الكثير من طاعته . دائماً خائف . لذلك قيلَ ذنبُ المؤمن كأنه جبلٌ جاثمٌ على صدره وذنبُ المنافق كأنه ذبابة لاقيمة لها .
وقيلَ الحب معانقة الطاعة ومباينة المخالفة . دائماً مع الطاعة، دائماً مبتعدٌ عن المعصية ، مع الطاعة مقتربٌ من الطاعة مبتعدٌ من المعصية . هذه من علامات الحب .
ومن علامات الحب أن تَهَبَ كُلَكَ لمن أحببت فلا يبقى لك منه شيء ، سيدنا الصدّيق أعطى ماله كله لسيدنا رسول الله ، قالَ ياأبا بكر ماذا أبقيتَ لنفسك ..؟.. قال : الله ورسوله . هذا ليسَ حكماً شرعياً ، هذا موقف لأن الله سبحانه وتعالى جعل المال قِوامَ الحياة ، أما لو إنسان غَلَبَهُ حبه وأنفقَ جزءاً كبيراً من ماله ، الله سبحانه وتعالى يقبل اجتهاده ويكافئه على هذا الكثير بأكثرَ منه .
بعضهم قالوا أن تَهَبَ إرادتكَ وعزمكَ وأفعالكَ ونفسكَ ومالكَ ووقتكَ لمن تحب وتجعلها جميعاً حبساً في مرضاته ومحابه فلاتأخذُ منها إلا ماأعطاكَ هو ، سمح لك بالزواج تزوجت ، سمح لك أن تأكل أكلت ، لا تأخذ من الدنيا من كلِ هذا الذي تملكه إلا ماسمح لك هو أن تأخذه فقط دون زيادة دون إسراف دون كِبر .
قال جرت مساءلة في مكة المكرّمة بين علماءٍ كُثر وكان الجُنيدُ أصغرهم ، الإمام جُنيد هذا الذي قيل له : من وليُّ الله قالَ الذي تجده عندَ الحلال والحرام . فلما تحاوروا وسألَ بعضهم بعضاً وكانَ الجُنيدُ أصغرهم سِناً فقالوا هاتِ ماعِندكَ ياعراقي فأطرقَ رأسه ودمعت عيناه ثم قال : عبدٌ ذاهبٌ عن نفسه ، متصلٌ بربه ، قائمٌ بأداء حقوقه ، ناظرٌ إليه بقلبه ، فإن تكلم فبالله ، وإن نطقَ فعن الله ، وإن تحرك فبأمر الله ، وإن سكنَ فمعَ الله ، فهو باللهِ وللهِ ومع الله .
قالَ : فبكوا جميعاً وقالوا ماعلى هذا مزيد . عبدٌ ذاهبٌ عن نفسه نفسه تحتَ قدميه يخضعها لطاعة الله يحملها على مرضاة الله لايثأرُ لها أبداً . ذاهبٌ عن نفسه ، متصلٌ بربه ، قائمٌ بأداء حقوقه ، ناظرٌ إلى الله بقلبه ، إن تكلم فبالله ، وإن نطقَ فعن الله ، وإن تحرك فبأمر الله ، وإن سكنَ فمعَ الله ، فهو باللهِ وللهِ ومع الله .
أهل الحب ، أهل الإيمان ، أهل الإحسان ، أهل التقوى ، أهل القرب ، بيّنوا أن للحب وسائل . فالله عزّ وجل من رحمته جعل إليه طرائق . أحياناً جهة من الجهات ليس لك إليها سبيل الطريق مغلق ، مهما حاولت ، لكنَ الله سبحانه وتعالى جعلَ الطرائقَ إلى الخالق كما يقال بعدد أنفاس الخلائق .
فقيل من الطرائق أن تكون محبوباً عند الله عزّ وجل :
أولاً : قراءة القرآن بالتدبّر والتفهم لمعانيه وما أُريدَ به ، قالوا تؤخذُ ألفاظه من حفاظه وتؤخذُ معانيه ممن يعانيه ، قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أُريدَ به يجب أن تقرأه وأن تفهمه وأن تُطبقه كما أراد الله عزّ وجل . وقد قالَ العكبري : تؤخذُ ألفاظه من حفاظه وتؤخذُ معانيه ممن يعانيه .
يتبع إن شاء الله تعالى...............

ابن الطيب
07-22-2008, 03:06 AM
ثانياً : التقرّبُ إلى الله بالنوافل ،
......... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ........ *
)صحيح البخاري)
في الصلوات ، في الصيام ، في الإنفاق ، في المال حقٌ سِوى الزكاة ، بالأعمال الصالحة ، بخدمة الخلق ، بدوام ذِكره .

يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا
(سورة الأحزاب)
الأمر منصب على الذِكر الكثير ، لاعلى الذِكر فقط ، على كلِ حالٍ باللسان والقلب ، والعمل والحركة ، نصيبك من محبة اللهِ على قدرِ نصيبك من الذِكر .
الرابع : أن تؤئر محابه على محابك عند غلبات الهوى . أحياناً ينشأ صِراع ، إذا آثرت مايحب على ماتُحب فأنتَ المحب ، أما إذا غَلَبتكَ نفسك وآثرت ماتُحبُ على مايحب فقد ضَعفَ حبك .
مشاهدة برّه وإحسانه وآلائه ، التأمل في الآيات ، تذّكر النِعم ، تأمل العطايا ، يعني النبي الكريم كان إذا أفرغَ ماعنده قال : ( الحمد لله الذي أذاقني لذّته وأبقى فيَّ قوته وأذهبَ عني أذاه . كلما تحرك الحمد لله الذي أذهبَ عني ما يؤذيني ) .
كانت تعظمُ عنده النعمةُ مهما دقت فهذا من علامات الحب .. إذا شربت كأس ماءٍ ، إذا استيقظتَ صباحاً نشيطاً : الحمد لله ، إذا تمتعتَ بسمعك وبصرك وقوتك : الحمد لله . دائماً أنتَ مع النِعم وأنتَ شاكرٌ لهذه النِعم .
قال أيضاً من علامات الحب انكسار القلب بكليّته إلى الله ، أبواب الله كثيرة . هناك باب واسع وسريعٌ ليسَ عليه ازدحام إنه باب الإنكسارِ، الإنكسارِ إلى اللهِ عزّ وجل كلما إزدادَ حبك جئته منكسراً معلناً عن فنائكَ في ذاته .
من علامات حبك لله قال مجالسة المحبين الصادقين لاتُحبُ إلا المحبين ، إذا مالَ قلبكَ إلى أهلُ الدنيا وأردتَ أن تكون معهم وأن تُقيم علاقاتٍ وشيجة معهم وهم بعيدون سرعان ما تعود.. واللهِ علامة البعد عن الله عزّ وجل كلما كنتَ محباً تمنيت أن تكون مع المحبين في مجالسهم ، في جلساتهم ، في خلواتهم . مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطيب ثمرات كلامهم كما تُنتقى أطايبُ الثمر ..
كنت محباً للهِ عزّ وجل فكلُ شيء يقطعك عن الله عزّ وجل تَفرَ منه فِرارك من وحشٍ كاسر ، نظرةٌ تبعدك عن الله فبالغ في غض البصر ، شبهة في لقمة ابتعد عنها ، النبي عليه الصلاة والسلام .. تأخّر عليه الوحيُ فقالَ ياعائشة لعلّي أكلتُ تمرةً من تمرِ الصدقةِ وأنا لاأدري . هذه بعض الأشياء التي إذا فعلتها كانت هذه الأشياء وسيلةً إلى أن تنالَ حبَّ اللهِ عزّ وجل وإذا ذقتَ طعمَ الحب يعني كما قالَ الشاعر :
لايعرف الشوق إلا من يكابده *** ولا الصبابة إلا من يعانيها

والحمد لله رب العالمين


انتهى الدرس الثاني ويتبع مع الدرس الثالث